
أمّا بعد فإني لم أزل محبًّا لمطالعة كتب التواريخ ومعرفة ما فيها مؤثرًا للاطلاع على الجليّ من ما هو بأقصي الشرق والغرب ولكن أقول إنني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد ومن تأمّله علم صحّة ذلك.
فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنّفه الإمام أبو جعفر الطبريّ إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافة عليه والمرجوعُ عند الاختلاف إليه فأخذت ما فيه من جميع تراجمه لم زخلّ بترجمة واحدة منها وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذوات عدد كلّ رواية منها مثل التي قبلها أو أقل منها وربّما زاد الشيء اليسير أو نقصه فقصدتُ أتمّ الروايات فنقلتها وأضفت إليها من غيرها ما ليس فيها وأودعت كل شيء مكانه فجاء جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقًا واحدًا على ما تراه.
فلمّا فرغتُ منه وأخذتُ غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها وأضفت منها الى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه ووضعتُ كلّ شيء منها موضعه إلاّ ما يتعلّق بما جري بين أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإني لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئًا إلاّ ما فيه زيادةُ بيان أو اسم إنسان أو ما لا يطعن على أحد منهم في نقله وإنّما اعتمدت علهي من بين المؤرخين إذ هو الإمام المتقنُ حقًّا الجامع علمًا وصحّة اعتقاده وصدقًا.
على أني لم أنقل إلاّ من التواريخ المذكورة والكتب المشهورة ممّن يُعلم بصدقهم فيما نقلوه ورأيتهم أيضًا يذكرون الحادثة الواحدة في سنين ويذكرون منها في كلّ شهر أشياء فتأتي الحادثةُ مقطّعة لا يحصل منها على غرض ولا تُفهم إلاّ بعد إمعان النظر فجمعت أنا الحادثة في موضع واحد وذكرت كلّ شيء منها في أيّ شهر أو سنة كانت فأتت متناسقة متتابعة قد أخذ بعضها برقاب بعض.
وذكرت في كلّ سنة لكلّ حادثة كبيرة مشهورة ترجمة تخصّها فأمّا الحوادث الصغار التي لا يحتمل منها كلّ شيء ترجمة فإني أفردتُ لجميعها ترجمةً واحدةً في آخر كلّ سنة فأقول: ذكر عدة حوادث وإذا ذكرت بعض من نبغ وملك قطرًا من البلاد ولم تطل أيّامه فإني أذكر جميع حاله من أوّله إلى آخره عند ابتداء أمره لأنّه إذا تفرق خبره لم يعرف للجهل به.
وذكرت في آخر كلّ سنة من توفّي فيها من مشهوري العلماء والأعيان والفضلاء وضبطت الأسماء المشتبهة المؤتلفة في الخط المختلفة في اللّفظ الواردة فيه بالحروف ضبطًا يزيل الإشكال ويُغني عن الأنقاط والأشكال.
فلما جمعتُ أكثره أعرضتُ عنه مدّةً طويلة لحوادث تجددت وقواطع توالت وتعدّدت ولأن معرفتي بهذا النوع كملت وتمت.
ثمّ إن نفرًا من إخواني وذوي المعارف والفضائل من خُلاّني ممن أرى محادثتهم نهاية أوطاري وأعدّهم من أماثل مُجالسيّ وسمّاري رغبوا إليّ في أن يسمعوه مني ليرووه عني فاعتذرتُ بالأعراض عنه وعدم الفراغ منه فإنني لم أعاود مطالعة مسوَّدته ولم أصلح ما أصلح فيها من غلط وسهو ولا اسقطت منها ما يحتاج إلى إسقاط ومحو وطالت المراجعة مدّةً وهم للطلب ملازمون وعن الإعراض مُعرضون وشرعوا في سماعه قبل إتمامه وإصلاحه وإثبات ما تمسّ الحاجة إليه وحذف ما لا بدّ من اطراحه والعزمُ على إتمامه فاتر والعجز ظاهر للاشتغال بما لا بدّ منه لعدم المعين والمظاهر ولهموم توالت ونوائب تتابعت فأنا ملازم الإهما والتواني فلا أقول: إني لأسير إليه سير الشواني.
فبينما الأمر كذلك إذ برز أمرُ من طاعته فرض واجب واتّباع أمره حكم لازب من أعلاق الفضل بإقباله عليها نافقة وأرواح الجهل بإعراضه عنها نافقة من أحيا المكارم وكانت أمواتًا وأعادها خلقًا جديدًا بعد أن كانت رفاتًا من عمّ رعيّته عدله ونواله وشملهم إحسانه وإفضاله مولانا مالك الملك الرحيم العالم المؤيّد المنصور المظفر بدر الدين ركن الإسلام والمسلمين محي العدل في العالمين خلَد الله دولته.
فحينئذ ألقيت عني جلباب المهل وأبطلت رداء الكسل وألقيت الدواة وأصلحت القلم وقلت: هذا زوان الشدّ فاشتدي زيم وجعلت الفراغ أهم مطلب وإذا أراد اللّه أمرًا هيّأ له السبب وشرعت في إتمامه مسابقًا ومن العجب أن السكّيت يروم أن يجيء سابقًا ونصبت نفسي غرضًا للسهام وجعلتها مظنّة لأقوال اللّوام لأن المآخذ إذا كانت تتطرّق إلى التصنيف المهذّب والاستدراكات تتعلّق بالمجموع المرتَّب الذي تكرّرت مطالعته وتنقيحه وأجيد تأليفه وتصحيحه فهي بغيره أولى وبه أحرى على أنّي مقرّ بالتقصير فلا أقول إن الغلط سهو جرى به القلم بل أعترف بأن ما أجهل أكثر ممّا أعلم.
وقد سمّيته اسمًا يناسب معناه وهو: الكامل في التاريخ.
- الحجم: 2.73 مب أكثر من 5200 صفحة
- تحميل